القرطبي
185
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يقولون : إن أوصى الرجل لجيرانه أعطي اللصيق وغيره ، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال : لا يعطى إلا اللصيق وحده . السادسة - واختلف الناس في حد الجيرة ، فكان الأوزاعي يقول : أربعون دارا من كل ناحية ، وقال ابن شهاب . وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أدى ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد : ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ( 1 ) . وقال علي بن أبي طالب : من سمع النداء فهو جار . وقالت فرقة : من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد . وقالت فرقة : من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار . قال الله تعالى : ( لئن لم ينته المنافقون ) إلى قوله : ( ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ( 2 ) ) فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا . والجيرة مراتب بعضها الصق من بعض ، أدناها الزوجة ، كما قال : * أيا جارتا بيني فإنك طالقة ( 3 ) * السابعة - ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ) . فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق ، لما رتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة ، فإن الجار قد يتأذى بقتار ( 4 ) قدر جاره ، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة ، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة ، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة . وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل . وكل هذا يندفع بتشريكهم في شئ من الطبيخ يدفع إليهم ، ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية ، لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك أحب
--> ( 1 ) بواثقه : أي غوائله وشروره ، واحدها باثقة ، وهي الداهية . ( 2 ) راجع ج 14 ص 245 ( 3 ) هذا صدر بيت للأعشى ، وعجزه : * كذاك أمور الناس غاد وطارقة * ( 4 ) القتار ( بضم القاف ) : ريح القدر والشواء ونحوهما .